محمد سعيد رمضان البوطي

292

فقه السيرة ( البوطي )

تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟ » قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! . واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد . وقال : « ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ » قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه واللّه ، فإن في النفس منها حتى الآن شيئا ، فقال له العباس : ويحك ! . . أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم . قال العباس : فقلت : يا رسول اللّه ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا ، قال : « نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن » . فلما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسير مقبلا إلى مكة ، قال للعباس : « احبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه فيراها » قال : فخرجت فحبسته عند مضيق الوادي حيث أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أحبسه ، ومرت القبائل عليها راياتها ، كلما مرت قبيلة ، قال : يا عباس من هذه ، فأقول سليم ، فيقول ما لي ولسليم ؟ . . وهكذا ، حتى مر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتيبة فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان اللّه يا عباس ، من هؤلاء ؟ قلت : هذا رسول اللّه في المهاجرين والأنصار ! . . قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! . . فقال : يا أبا سفيان إنها النبوة ، قال : فنعم إذن « 1 » . ثم قال له العباس : النجاة إلى قومك ! . . فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فأقبلت إليه امرأته هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه وهي تقول : اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبّح من طليعة قوم ! . . فقال : ويلكم لا تغرنكم هذه من نفوسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : قاتلك اللّه ، وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد « 2 » .

--> ( 1 ) رواه ابن سعد ، وابن إسحاق ، وابن جرير ، وروى نحوه البخاري ، والألفاظ متقاربة . ( 2 ) ابن إسحاق .